بحر المِحاجر..حكاياتٌ سهرت مع القناديل ولم تروَ
أغمض عينيكَ..لا لتنام، بل لِتستفيقَ على "بحرِ المحاجر".
تخيل لو أنكَ تقفُ الآن في منتصفِ الليل، ليس في غرفتكَ، بل في المساحةِ الضيقةِ والممتدةِ بينَ رمشينِ ودمعةٍ معلقة. القناديلُ هنا ليست زجاجًا ونورًا يطردُ العتمة، بل هي جمراتٌ من حنينٍ تحترقُ بصمت، تضيءُ ملامحَ حكاياتٍ كُتبت بالماء ولم تروَ للأفواه. وأمامكَ سيلٌ من الورقِ الأبيض، يمتدُ كأنه كفنُ الذكرياتِ التي ترفضُ الموت. تشعرُ برعشةِ القلمِ في يدِكَ، كأنه عِرقٌ يَنبضُ بدمِ القصيدة، حينَ يلمسُ السطر، لا يترك حبرًا..بل يسكبُ جُزءًا من روحِ كاتبتهِ فوقَ جِيدِ البياض. وفي خضمِّ هذا السكونِ المطبق، يداهمكَ الإحساسُ بتلك "النظرة". نظرةٌ لم تكن مجرد عبورٍ عابر، بل كانت غرقًا لذيذًا في غياهبِ بحرٍ لا ينجو منه إلا المتأملون. تشعرُ وكأنَّ وعيكَ قد تزلزل، وكأنَّ جدرانَ المنطقِ قد انهارت أمامَ سحرِ المحاجر، لتجدَ نفسك أميرًا متوجًا في مدائن من الياسمين، حيث الحبُّ صلاةٌ خاشعة، والجمالُ مقدسٌ، والحكايةُ خلودٌ لا يعتريهِ الذبول
(الجزء الأول: غرقٌ في مِحجرِ الوجد..وفلسفةُ العناقِ والغياب)
توقّفْ..تنفّسْ هدوءَ الحبرِ قبلَ أن ينسكب، فأنتَ لستَ أمامَ كلماتٍ تُقرأ، بل أمامَ "جنازةِ شعور" تُزفُّ بوقارِ الورق. هل سألتَ نفسكَ يومًا، كيفَ استطاعَ قلبٌ بهذا الحجمِ الصغير أن يسعَ بحرًا من الحكاياتِ التي لم تُروَ؟ وكيفَ لقناديلِ الروحِ أن تحترقَ سنينًا طوالًا لتضيءَ ملامحَ عابرٍ، لم يترك خلفه سوى "أثرِ الغياب"؟
الحبُّ يا من تقرأ، ليسَ نزهةً في رياضِ الكلمات، بل هو "احتراقٌ واعٍ". أولئك الذين أحبوا بصدق، لم يعيشوا على ضفافِ النهر، بل كانوا هم "النهر" ذاته؛ يجرون بتفاصيلهم، ويسقون قفارَ اللحظات، حتى إذا ما جفَّ الوصلُ، بقوا أخاديدَ محفورةً في وجهِ الزمن. عاشوا يدققون في "نبرةِ الحرف" وفي "رعشةِ الجَفن"، وكان وعيهم بالحسنِ هو سجنهمُ الأبدي، فالمحبُّ الحقيقيُّ لا تجذبهُ الوجوه، بل تجذبهُ "الأرواحُ التي تشبهه" في عمقها وانكسارها.
• مأساةُ الختام..وحشرجةُ الرواية
كيف انتهت الروايات التي بدأت بالحب؟ انتهت بـ "الغُربة في وطنِ الذاكرة". انتهت حينَ صارَ اسمُ المحبوبِ غصّةً في الحلقِ بعد أن كانَ بردًا وسلامًا على الشفاه. الرواياتُ العظيمةُ لا تنتهي بالفراقِ الجسدي، بل تنتهي بـ "موتِ الدهشة"، حينَ تلتفتُ فلا تجدُ في عينِ من تحبُّ سوى "فراغٍ" يبتلعُ كلَّ تلكَ القصائدِ التي سهرتَ مع القناديلِ لنظمها.
يقولُ فيها الوجدُ بلسانِ الشاعرِ:
يـا سـاكنًا مـوجَ الـمـحـاجرِ غـفـلـةً
أغـرقتَ وعـيـي فـي بـحـارِكَ سـاجي
رسمتُ فـي عـيـنـيكَ ألـفَ حـكـايةٍ
عـذراءُ مـا لـمـسـت كـفـوفَ لـجـاجِ
نـظـرتْ.. فـمالت كـلُّ أغـصانِ الـهوى
والقـلبُ لـبّى.. هـا هـنا مِـعراجي
(الجزء الثاني: مقصلةُ الحرف..حين يقتلُ الحبُّ أصحابه)
إذا كان الجزء الأول غرقًا في الشعور، فإن هذا الجزء هو "تشريحٌ" لجثث الحكايات التي ظن أصحابها أنها ستدوم، فانتهت قبل أن يجفَّ مِدادُ القناديل.
• غسان كنفاني..والرسائل التي كانت انتحارًا مؤجلًا
تأملوا معي في "رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان". لم تكن مجرد مكاتيب غرام، بل كانت "نزيفًا" علنيًا لكاتبٍ كان يرى في النظرةِ وطنًا بديلًا. غسان لم يجذبه في غادة سوى "التفاصيل" التي لا تدركها العيون العابرة. كتب لها يومًا بذلةِ المنكسر: "أنتِ في جلدي، وأحسك مثلما أحس فلسطين: ضياعها كارثة بلا أي بديل"..انظروا لعمق الوجع؛ كيف يتحول الحبيب إلى "حاجة بيولوجية" لا يمكن الفكاك منها؟ وانتهت الروايةُ بصمتٍ موحش، وبقيت الرسائلُ شاهدًا على أن الكاتبَ حين يحب، فإنه يحفرُ قبره برأسِ قلمه.
• كافكا وميلينا..حبٌّ خلفَ قضبانِ الورق
وفي زاويةٍ أخرى من الوجع، نجد "فرانتس كافكا". ذاك الذي كان يرتجفُ من أصغر التفاصيل. حكايته مع ميلينا لم تكن حكاية لقاء، بل كانت حكاية "خوفٍ عذب". كان يكتب لها وهو يدرك أن القربَ انتحار، والبعدَ احتراق. حللوا معي قوله: "أنا مريضٌ عقليًا، ومرضي هو خوفي من الناس، وأنتِ من الناس".. هنا تكمن الفلسفة الشاعرية؛ أن يكون من تحب هو "الداء والدواء" في آنٍ واحد. انتهت حكايتهما ولم يلتقيا إلا في الحروف، فهل هناك وجعٌ أشد من أن يكون وطنك مجرد "ظرف بريد"؟
• مسرحيةُ القدر..وسقوطُ الأقنعة
في الأدبِ المسرحي، نجدُ أن أعظم المآسي لم تبدأ بالخيانة، بل بدأت بـ "فرط الحب". دققوا في تفاصيلِ العشاقِ الذين عاشوا على الأمل؛ كيف أنهم حين وثقوا في "دوامِ الحال" خذلهم الحال. الحبُّ العذبُ ينتهي دائمًا بنهايةٍ تشبهُ صمتَ المسرحِ بعد رحيلِ الممثلين؛ كراسٍ خالية، وبقايا عطر، وقنديلٌ وحيدٌ يصارعُ الفناء.
يقولُ فيها الوجدُ بلسانِ الشاعرِ :
قـرأتُ فـي صـفحاتِ الـعِـشـقِ مـلحـمةً
أبـطـالُـها فـي ضـياعِ الـوهـمِ قـد هَـمـوا
مـا بـيـنَ "غـسّـانَ" أو "كـافـكا" ومـا كَـتـبـوا
نـارٌ تـلـظّـت..وفـي الأعـمـاقِ قـد رَسـمـوا
حـكـايـةَ الـحُـبِّ..كـانـت مـحضَ مَـقـصلـةٍ
والـكاتبُ الـفـحلُ فـي حـبـالِها الـعَـلَـمُ!
فـلا تـسـلْ كـيفَ خَـابَ الـظـنُّ فـي هَـدبٍ
بـعـضُ الـنـهـايـاتِ.. بـالأحـزانِ تـبـتـسـمُ
نحنُ يا من تقرأ، لسنا أفضل حالًا من هؤلاء الكتّاب. نحنُ أيضًا نعيشُ رواياتنا الخاصة، وندققُ في تفاصيل من نحب حتى نكادُ نحفظُ عددَ أنفاسهم. لكنَّ الفرقَ بيننا وبينهم، أنهم خلدوا أوجاعهم في كتب، ونحنُ خلدنا أوجاعنا في "بحر المحاجر"؛ ذاك السجنُ السري الذي لا نفتحُ بابه إلا في أنصاف الليالي، حين تعزُّ الدمعةُ ويقسو الحنين. لقد انتهت الروايات التي بدأت بالحب لأن "العذوبة" حين تزيد عن حدها تصبح سمًا زعافًا. انتهت لأننا أردنا امتلاك الغيمة، ولم ندرك أن جمال الغيمة في رحيلها. تذكر حكايتك..وتأمل في نهايتها؛ ستجد أنها لم تكن فشلًا، بل كانت "قصيدةً لم تكتمل"، بقيت عذبةً لأنها لم تُدنّس بالاعتياد، وبقيت حزينةً لأنها كانت أجمل من أن تكون واقعًا.
في نهايةِ كلِّ حكايةٍ حزينة، ثمة لحظةٌ يدركُ فيها المحبُّ أن "القبول" هو أسمى درجاتِ الحب. أن تقبلَ بأن يكونَ مَن تحبُّ حكايةً في كتاب، لا واقعًا في يديك. أن تقبلَ بأن تلك "النظرة" التي جذبتكَ يومًا، صارت الآن نجمًا بعيدًا يضيءُ سماءَ غيركَ، وأنتَ تكتفي بمراقبتهِ بوعيٍّ هادئ، وقلبٍ لم يَعُد يرتجفُ من هولِ الفقد، بل يبتسمُ لعظمةِ الذكرى. نحنُ لا ننهي الحكايات لأننا توقفنا عن الحب، بل ننهيها لأننا ندركُ أن "العذوبة" قد بلغت منتهاها، وأن البقاءَ أكثر قد يفسدُ نقاءَ القصيدة. العشاقُ الحقيقيون هم الذين يغادرون والقلوبُ ما زالت خضراء، يتركون خلفهم "عطرًا" لا يزول، وقصصًا تسهرُ مع القناديلِ لتروي للأجيالِ أن هنا..مرَّ من عرفوا كيف يحبون، وكيف يرحلون بوقارِ الملوك.
• فلسفةُ الفناءِ العذب
دققْ في صمتكَ الآن..ألا تشعرُ بسكينةٍ غريبة؟ هي سكينةُ من ألقى أحمالهُ في "بحرِ المحاجر" واستدارَ نحو الفجر. لقد بكينا، وحللنا الروايات، واستنطقنا غسان وكافكا، والآن.. حانَ الوقتُ لـ "طيِّ الصفحة". ليس نسيانًا، بل تخليدًا. فالحبُّ الذي لا ينتهي بلقاء، ينتهي بـ "خلودٍ" في الروح، يصيرُ جزءًا من تكويننا، من نظرتنا للأشياء، من رقةِ أحرفنا.
بينَ كلِّ حرفٍ وحرف، كانت هناك حكايةٌ تولد، ومع كلِّ فاصلةٍ ونقطة، كان وعيي يسكبُ جُزءًا من روحه. اليوم، وفي ختامِ هذا المقال، لا أطوي ورقًا فحسب، بل أطوي مَرحلةً من 'مُلهمة أدبية' التي كانت تقتاتُ على وهجِ القناديلِ ونزيفِ المحابر.
شكرًا لأنكم كنتم الميناءَ لرسائلي التي لم تصل، والصدى لآهاتي التي لم تُبح. أودعكم بقلبٍ ممتلئٍ بالامتنان، وعينٍ ما زالت تلمحُ في الأفقِ بقايا ذاك الحبِّ العذب الذي لا يموت، بل يتقاعدُ عن الكلام ليعيشَ في الصمتِ الأبدي.
استودعتكم الله الذي لا تضيعُ ودائعه، واستودعتُ 'بحر المحاجر' أسرارنا التي لن تُروى..وداعًا يليقُ بعذوبتكم."
وإذ أضعُ نقطةَ الختامِ هنا، فليسَ لأنَّ المدادَ جفَّ، بل لأنَّ الحكايةَ استأذنت في غفوةٍ قصيرةٍ خلفَ جفونِ الليل. يظنونها نهاية..وما هي إلا 'استراحةُ محاربٍ' في مِحجرِ الكلمات. ثمة قصصٌ سكنت في عمقِ التفاصيل، لم يجرؤ القلمُ على لمسها بعد، وعلمٌ مكنونٌ في صدورِ المحابرِ ينتظرُ ساعةَ الميلاد. ما زالت هناك زوايا في 'بحر المحاجر' لم تُسبر أغوارها، وأشياءٌ لم تكتمل بعد، لأن العذوبةَ الحقيقية تكمنُ في ذاك الجزءِ الذي لم يُقل. لا تعتادوا على الصمتِ طويلًا..فخلفَ كلِّ وداعٍ تلوحُ راياتُ العودة، وفي طياتِ هذا الغياب، تُحبكُ فصولٌ أكثرُ عُمقًا وشاعرية. انتظروني..فالبحرُ لا يهدأُ إلا ليثور، والقناديلُ لا تغفو إلا لتستفيقَ على نورٍ أعظم.


This really left an empact on me. Like you could Feel the emotions through words,commas and phrases thank you so much for wrtiting this✨🤍
جمييييل استمري❤️❤️