كيمياء الجاذبية: أسرار الرائحة والدماغ والوراثة في لحظة الإنجذاب الفوري
✦ لغة الروائح الخفيّة
في لحظةٍ مَا، يدخل أحدهم الغرفة — لا شيء في كلامه يشرحُ لماذا يتقدُّ القلب أو يثقل العقل؛ لكن جلدَه يرسل لغةً غير مرئية: نَفَحاتٌ من مركباتٍ صغيرة صنعتها غددٌ وبكتيريا، تصافح جيناتِ جهازِ مناعتي، وتوقظ دوائرَ مكافأةٍ قديمة في دماغي. الانجذاب الفوري إذًا ليس سحرًا مبهمًا، بل لقاءٌ بين كيمياءٍ ميكروبية وجيناتٍ وهرموناتٍ ودوائر عصبية — كل منها يحكي فصلًا من قصة تُكتب على مستوى الروائح والنبضات. هذا المقال هو الجزء الثاني من رحلتنا في «كيمياء الجاذبية» — لكنه يغوص بشكلٍ أعمق إلى تفاصيل علمية دقيقة مثبَتة، حيث يلتقي العلم بالشغف. إن أول خيط يربطنا بالآخرين قد لا يكون كلمة أو نظرة، بل جزيئًا عابرًا يذوب في الهواء ثم يستقر في أعماق أنوفنا ليصل إلى مراكز بدائية في الدماغ. هناك، حيث تختبئ الحواس القديمة، تبدأ الروائح في كتابة قصتها. ليست الروائح مجرد عطرٍ من زهر أو خشب، بل رسائل كيميائية دقيقة، ممهورة بأختام لا يراها أحد، لكنها قادرة على تغيير مسار قلوبنا. هناك تجربة علمية شهيرة عُرفت باسم «القميص المتعرّق» أجراها الباحث كلاوس ويديكن وزملاؤه عام 1995، حيث طلبوا من رجال أن يناموا مرتدين قمصانًا بيضاء لليلة كاملة دون استخدام صابون أو عطر، ثم عرضوا هذه القمصان على نساء ليشممنها. لم يكن اختيار النساء عشوائيًا، بل انحاز معظمهن لروائح رجال تختلف جيناتهم المناعية عن جيناتهن في منطقة تُسمى MHC، وكأن أجسادهن تبحث غريزيًا عن تنوعٍ وراثي يضمن لأبنائهن مناعة أقوى. هذا الاكتشاف فتح الباب لفهم أن ما نشعر به كـ «انجذاب» ليس مجرد انطباع بصري أو سحرٍ عاطفي، بل صدىً كيميائي لجينات تبحث عن توازنها عبر الآخر.
إن الجلد ليس سطحًا صامتًا كما نظن، بل مسرحٌ لبكتيريا مجهرية لا تُرى، تعيش معنا وتصوغ هويتنا العطرية الخاصة. عرقنا في ذاته عديم الرائحة، لكنه حين يلامس هذه الكائنات الصغيرة يتحوّل إلى قصيدةٍ من الجزيئات الطيّارة. بكتيريا مثل Corynebacterium تُحوّل مكوّنات العرق إلى أحماض دهنية متطايرة، هي التي تمنحنا تلك الرائحة «الخام» التي تميّز كل إنسان. وكأن كل واحدٍ منا يحمل «بصمة عطرية» لا تُشبه أحدًا. لا نستطيع محوها بالعطور ولا بالاغتسال، لأن أصلها أعمق، جزء من كيمياءنا الشخصية. في لحظات القرب، حين يقترب الآخر بما يكفي ليغمرنا عبق جلده الطبيعي، يحدث شيء يتجاوز المنطق: الأنف يلتقط إشارة، والدماغ يترجمها إلى راحة أو نفور، انجذاب أو برود. هذه اللغة الخفية سبقت الكلمات، سبقت اللغة نفسها، إنها إرث بيولوجي قديم يحكمنا حتى الآن. علماء الأحياء يشكّون منذ عقود في وجود «الفيرومونات» البشرية، تلك الجزيئات التي في عالم الحشرات والثدييات تُحرّك السلوكيات بدقة ميكانيكية. في الفئران مثلًا، جزيء واحد قادر على أن يطلق شرارة التزاوج أو القتال. لكن في البشر تظل القصة أكثر غموضًا. بعض الدراسات تشير إلى مركبات مثل androstadienone، الموجودة في عرق الرجل، وقدرتها على تعديل مستويات هرمون الكورتيزول عند النساء وتغيير حالتهن المزاجية. دراسات أخرى تُظهر أن مجرد استنشاق هذا المركب قد يزيد من الإحساس بالتركيز أو الهدوء ومع ذلك، يبقى الجدل قائمًا: هل نحن كبشر محكومون فعلًا بفيرومونات محددة، أم أن الأمر أعقد من ذلك، خليط من إشارات كيميائية وثقافية ونفسية تتشابك في نسيج واحد؟ مهما كان الجواب، ما نعرفه يقينًا أن الرائحة تؤثر في اللاوعي بعمق. قد تجد نفسك منجذبًا لشخص لا تعرف لماذا، فقط لأن جيناته مختلفة بطريقة تثير جهازك المناعي، أو لأن بكتيريا جلده أنتجت مركبًا كيميائيًا يُطابق مستقبلًا شميًا في أنفك. هذه ليست مصادفة، بل حوار بيولوجي قديم.
تخيّل أن جسدك وجسد الآخر يتبادلان الهمسات دون أن تنطق كلمة. من هنا تبدأ لغة الروائح، لغة لا نسمعها بأذن ولا نراها بعين، لكننا نشعر بها في نبض القلب ورجفة الروح. إنها لغة تصنع القرار قبل أن يتدخل العقل. إنها الباب الأول للجاذبية، الباب الذي لا ندخله بوعي، بل نُقاد إليه بقوانين أقدم منا
✦ انجذاب الأرواح عبر المسافات
في عالمٍ تُصاغ فيه العلاقات من حروفٍ مضيئة على شاشة، يولد أحيانًا شعورٌ لا يفسَّر: إعجابٌ بشخص لم تلتقِ به عينًا لعين، لم تسمع صوته مباشرة، لم تختبر حضوره المادي، ومع ذلك يسكنك كأنك تعرفه منذ زمن بعيد. أيّ خيطٍ خفيٍّ هذا الذي يجعل نبضك يتسارع لرسالة نصّية أكثر مما يتسارع لمصافحة واقعية؟
العلم يهمس أن الدماغ يخلط بين الوهم والحقيقة بسهولة. حين نقرأ كلمات تُلامس احتياجاتنا النفسية — تعاطف، فهم، دعابة، اهتمام — تنشط الدوائر العصبية ذاتها التي تنشط لو كنا جالسين مع شخصٍ حيّ أمامنا. يفرز الدماغ الدوبامين، فيشعرنا باللذة. لهذا قد يسهر المرء ساعات طويلة أمام شاشة صغيرة، مستنزفًا جسده، لكنه في داخله مروٍّ بدفءٍ لا يُرى. لكن الأمر لا يتوقف عند الكيمياء. هناك ذاكرة عاطفية تنقش نفسها عميقًا فينا. شخصٌ ما قد يكتب جملة تُشبهنا، فيبقى أثرها لسنوات. وحين يعود بعد غياب، يعود الشعور حيًّا كما تركناه. بعض العلاقات تحيا لأنها لم تُستهلك؛ بقيت في حيّز التخيّل، مُكتملة في الذهن أكثر مما قد يسمح به الواقع. ولهذا، عندما يقع اللقاء الحقيقي بعد أعوام، نشعر بدهشة غريبة: كأن قلبي كان يعرفه منذ البداية.
هناك من يحاول تفسير هذا بعبارة بسيطة: الأرواح تتعارف. وقد ورد في الحديث: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف». [صحيح البخاري]. والروح — كما أُمرنا أن نؤمن — من أمر ربّنا، لا نعلم عنها إلا القليل: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. لكننا نشهد في حياتنا لمحاتٍ تُذكّرنا بأن هناك بعدًا لا يفسّره الدماغ وحده.
أحيانًا، نصادف شخصًا بعيدًا في بلدٍ لم نزره، عبر صدفة رقمية في موقع لا نتردد عليه كثيرًا. نحادثه عابرين، ثم نكتشف أننا نتذكّره بعد أسابيع، بعد شهور، بل بعد سنوات. ما السبب؟ ليست صورة ملفه هي التي بقيت، ولا صوته عبر التسجيلات. إنما تلك الشرارة التي أوقدت في الداخل. وكأن روحنا تركت علامة على روحه، فعرفنا الطريق إليه حتى في غيابه. بل إن بعض القصص الواقعية تؤكد ذلك. اثنان تعارفا عبر الرسائل في سنٍ مبكرة. افترقا لظروف الدراسة والعمل، وانقطعت كل سُبل الوصل لسنوات. وحين التقيا صدفة بعد زمن طويل، لم يحتج أيّ منهما إلى استعادة الحديث من البداية — كان هناك يقين ساكن بأن ما كان لم يمت. لم يكن الحنين وحده الذي جمعهما، بل الإحساس العميق بأن أرواحهما لم تتفرّق قط.
وقد يقول قائل: أليس هذا نوعًا من التوهّم؟ ألسنا نحن من نصنع المعاني ونغذّيها بخيالنا؟ ربما. لكن حتى الوهم له قوانينه. الدماغ — كما تكشف الأبحاث الحديثة — يبني “نسخة داخلية” عن الأشخاص الذين نرتبط بهم، نسخة قد تعيش معنا أطول من أصحابها الحقيقيين. وهذا ما يجعل الذكريات أحيانًا أكثر حياة من الواقع. ومع ذلك يظل هناك ما هو أبعد من التفسير العلمي: كيف يظل إحساسٌ تجاه شخصٍ ما صادقًا رغم غياب السنوات وتبدّل الظروف؟ الجواب قد يكون أن الإعجاب ليس لحظة عابرة بل لغة عميقة من لغات الارتباط الإنساني. لغةٌ لا تحتاج لقاءً جسديًا لتثبت نفسها. لغة تتجاوز المسافات والسنوات. إنها ليست فقط كيمياء دماغ أو إفراز هرمونات، بل شهادة صغيرة على أن الإنسان أكبر من جسده. وحين نسمع أحدهم يقول: “كنت متأكدًا أنني سألتقي بك يومًا”، ندرك أن الأمر ليس مصادفة كاملة. ربما هو قَدَر، وربما هو خيطٌ لطيف ينسجه الله في حيواتنا، ليذكّرنا أن اللقاءات الأهم لا تحددها الجغرافيا ولا تحدّها الشاشات.
وفي النهاية، يظلّ الأمر كما بدأ: لغزًا نصفه علم ونصفه روح. نفهم بعض جوانبه، ونعجز عن فهم البعض الآخر. لكننا، كبشر، نتعلّق بذلك الغموض لأنه يفتح فينا نافذة أمل: أن هناك دائمًا أحدًا ما، في مكانٍ ما، كُتب أن يجدنا ولو بعد حين
عزيزي القارئ دعنا نمشي معًا خطوةً أعمق في هذا الممر الذي بدأناه، حيث لم تعد الجاذبية مجرّد ابتسامة عابرة أو اهتزازٍ في القلب، بل لغزٌ يحوك خيوطه على مستويات لا تراها العين. قد تظن أن العرق مجرّد ماءٍ وملح، سائل يثقل الجلد بعد جهد أو خوف، لكن الحقيقة أنه أعقد من ذلك بكثير. عرقك في ذاته بلا رائحة، نقيّ كالمطر، لكن ما إن يلتقي بالبكتيريا الصغيرة التي تسكن مسامك حتى تبدأ أوركسترا كيميائية خفية: كائنات دقيقة مثل Corynebacterium تكسر جزيئات العرق إلى أحماض متطايرة، وهذه الأحماض هي التي تصعد كرائحة. هل تصدّق أن هذه الرائحة التي قد تراها مزعجة أحيانًا، هي نفسها بطاقة تعريفك البيولوجية؟ لكل إنسان «بصمة ميكروبية» تجعل رائحته متفرّدة مثل بصمة إصبعه. ولهذا، قد ينجذب أحدهم إليك لا لأنك وضعت عطرًا باهظ الثمن، بل لأن ميكروباتك رتّبت مع عرقك سيمفونية لا تتكرر في غيرك.
تخيّل المشهد معي: قطرة عرق شفافة تهبط على سطح جلدك، ما إن تلمسها البكتيريا حتى تتحوّل إلى جزيئات طائرة غير مرئية، تنطلق مثل رسائل في الهواء، فتصل إلى أنف الآخر وتهمس في دماغه: «هذا مختلف… هذا يناسبك». هنا، يصبح الجسد كتابًا مفتوحًا مكتوبًا بلغة كيميائية لا تُقرأ إلا بالأنف.
لكن الأمر لا يتوقف عند الجلد. إنه أعمق، مطبوع في نسيج جيناتنا نفسها. هل سمعت يومًا عن الجهاز المناعي المعروف باسم MHC أو HLA؟ هذا النظام ليس حارسًا ضد الأمراض فقط، بل رسامٌ خفي يرسم ملامح انجذابك. أظهرت دراسات منذ التسعينات أن النساء يفضّلن — من حيث اللاوعي — روائح رجال تختلف جيناتهم المناعية عن جيناتهن. كأن الجسم يبحث عن شريكٍ يمنح الأبناء حصانةً أوسع، وكأن الحب في جوهره لا ينشد العاطفة وحدها بل استمرار الحياة أيضًا. ومع ذلك، ثمة مفارقات. هل تعلم أن حبة دواء صغيرة مثل موانع الحمل الفموية يمكنها أن تغيّر هذه التفضيلات رأسًا على عقب؟ فجأة تميل المرأة إلى من يشبهها جينيًا بدلًا من المختلف، وكأن بوصلتها البيولوجية أُعيدت برمجتها. هنا يدرك المرء أن الانجذاب ليس مجرد اختيار واعٍ، بل شبكة دقيقة من الجينات والهرمونات والميكروبات، وكل خيط منها قادر على تغيير مسار القلب.
ثم نصل إلى الدماغ، هذا المسرح الكبير الذي تُعرض عليه كل تفاصيل الحكاية. في اللحظة التي يلمع فيها أحدهم في عينيك، يشتعل في عمق دماغك مكانٌ يُسمى منطقة السقيفة البطنية (VTA)، تُطلق الدوبامين في مساره مثل شرارة أولى، فيغمر قلبك بإحساس النشوة. ومع تكرار اللقاء، يدخل على المسرح هرمون آخر: الأوكسيتوسين، حبلٌ من الثقة والحميمية، يجعلك تشعر أن هذا الآخر مألوف، أن قربه أمان. ثم يأتي الفازوبريسين، بخطوطه الغيورة الحامية، يحرس العلاقة ويمنحها طابع الحصرية. إنه مسرح متكامل: الأحمر يضيء حيث يسيل الدوبامين، الأزرق ينساب حيث يُسكب الأوكسيتوسين، والأخضر يشتد حيث يتصاعد الفازوبريسين. ثلاثية هرمونية تجعل انجذابك ليس مجرّد فكرة أو وهم، بل حدثًا عصبيًا ملموسًا، نقشًا كهربائيًا على قشرة دماغك.

توقف قليلًا وتأمل، عزيزي القارئ: ما الذي يعنيه أن تنجذب إلى إنسان لأن بكتيريا على جلده أرسلت إليك رسالة؟ أو لأن جيناته مختلفة عن جيناتك في قطعة صغيرة من DNA؟ أو لأن دماغك أضاء بمادة كيميائية في لحظة عابرة؟ هل الحب إذًا مجرّد تفاعل بيولوجي؟ لو كان كذلك، لماذا نستمر في تذكر أشخاص لم يعودوا موجودين؟ ولماذا نشعر بالخذلان حين يتغيّرون، وكأننا فقدنا قطعة من ذاتنا؟
العلم يفسّر الكثير، لكنه لا يطفئ ذلك البعد الغامض في الأمر. الجاذبية ليست علمًا بحتًا، ولا هي سحر خالص. إنها رقصة بين الاثنين: بكتيريا تنحت هويتك، جينات تهمس باختيارك، دماغ يضيء كأنه مسرح، وقلبٌ يقرأ كل ذلك بطريقته الخاصة. وربما، حين نقف أمام شخص نشعر تجاهه بكل هذا الاندفاع، يكون السبب أن أجسادنا وأدمغتنا وأرواحنا جميعها اتفقت في لحظة واحدة: «هذا الإنسان يستحق أن يُرى»
هناك في صمت اللقاء حيث لا كلمات تكفي لوصف ما يحدث بيننا ولا عيون تستطيع أن ترى ما يخفيه القلب هناك ينبض شيء أعمق من أي فهم شيء يعرفنا قبل أن نعرف أنفسنا يهمس لنا بما لا نستطيع تفسيره يشعل فينا لهفة غامضة تجعلنا ننجذب لبعضنا كما لو أن الروح نفسها تعرف الطريق قبل الجسد وكأن كل لمسة وكل نظرة وكل ابتسامة هي رسالة من الكون تقول بأن هناك شيئًا أكبر مننا شيئًا لا يُرى ولا يُمسك شيئًا يعيش بين الصدفة والقدر بين الحلم واليقظة شيئًا يجعلنا نحيا اللحظة بكل دهشة وعاطفة ونستسلم لسحر لا يحتاج إلى تفسير، نحن فقط نشعر ونحب وننجذب بلا سبب واضح، بلا منطق بلا حدود وكأن العالم كله يتوقف لحظة واحدة لتخبرنا بعض الأشياء مهما حاولنا فهمها ستظل دائمًا .خالدة وغامضة وجميلة كما هي أرواحنا حين تلتقي لأول مرة هناك شعور يمر عبرنا بلا اسم، يلمس كل خلية فينا ويعيد ترتيب العالم من حولنا يجعل كل شيء يبدو جديدًا وكل شيء مألوفًا في آن واحد وكأن الزمان يبتسم لنا ويتركنا نعرف معنى الاتصال العميق بين قلبين يلتقيان بلا قيود وبدون خطة، وكأن الكون نفسه يراقب بصمت، ويرسل لنا علامات خفية لا نراها إلا في هذه اللحظات. هناك شعور يشبه النسيم الرقيق الذي يدخل عبر نافذة مغلقة يحمل معه كل ما نسيناه من الأحلام وكل ما لم نقل لأحد عنه شيء. يجعلنا نحس بأننا كائنات مميزة في هذا الوجود الواسع شيء يذكرنا بأن الحب والانجذاب ليس مجرد شعور بل هو تجربة تتجاوز كل الكلمات وكل النظريات وكل فهم بشري شيء يجعل كل لحظة لقاء تجربة فريدة تجعلنا ندرك أن حياتنا قبل هذه اللحظة كانت مجرد انتظار لهذه اللحظة، وأن كل الطرق التي سلكناها وكل الأشخاص الذين التقيناهم كانوا تمهيدًا لما يحدث الآن، هناك شيء يربطنا بلا رؤية بلا لمس بلا شروط، شيء يعرفنا ويعرف ضعفنا وقوتنا ويظل حاضرًا فينا ويظل يمنحنا شعورًا بالاكتمال حتى لو كنا وحدنا، يجعلنا نرى العالم بعينين جديدتين حتى لو لم يتغير شيء خارجيًا، يجعلنا نقدر تفاصيل صغيرة كابتسامة عابرة أو لمسة يد خفية أو نظرة طويلة مليئة بالمعنى، هناك شعور يجعلنا نتنفس معًا وكأن أنفاسنا جزء من نفس اللحن الصامت يشعرنا بأننا لسنا منفصلين عن بعضنا البعض وأننا جزء من شيء أكبر من أنفسنا شيء يجعل كل شيء يبدو متزامنًا متناسقًا متجددًا في كل لحظة شيء يعلمنا الصبر ويعلمنا الانفتاح ويعلمنا أن بعض الأشياء يجب أن تُعاش لا أن تُفهم وأن بعض الروابط تكون مقدسة لأنها تحدث بلا سبب وتستمر بلا تفسير ويظل القلب يعرف أكثر من العقل ويظل الانجذاب لغزًا أزليًا يجعلنا نحيا كل لحظة بوعي أكبر واندفاع أعمق ويجعلنا نؤمن بأن الحب أكثر من مجرد شعور إنه حالة وجودية كاملة تجعلنا نحس بأننا على قيد الحياة بكل ما فينا من ضعف وقوة فرح وحزن أمل وخوف ولهفة وغموض كل هذه المشاعر تتجمع في لحظة واحدة عند اللقاء تجعلنا ندرك أن هناك شيء ما بيننا أكبر من كل شيء يمكن أن نصفه أو نشرحه وأنه مهما حاولنا فإن جزءًا من هذا السحر سيظل دائمًا غامضًا خالدًا حيًا في داخلنا يذكرنا بأننا بشر وأننا قادرون على الشعور بأشياء تتجاوز الكلمات والأزمان والأماكن وأن الانجذاب ليس مجرد لحظة بل هو رحلة لا تنتهي تجعلنا نكتشف أنفسنا والعالم والآخرين بطرق لم نعرفها من قبل وتجعلنا نقدر السكون والحركة واللقاء والفراق وكل التفاصيل الصغيرة التي تصنع اللحظة وأن كل قلب ينبض يحمل معه هذا السر العظيم وأن كل ابتسامة وكل نظرة وكل لمسة هي شهادة على أن هناك شيئًا أكبر من كل الفهم شيء يجعلنا نشعر بأننا متصلون بالكون وببعضنا البعض بطريقة لا يمكن لأحد أن يفسرها ويظل الغموض حاضرًا دائمًا يهمس لنا بأن بعض الأشياء يجب أن تُحس لا أن تُشرح وأن بعض الروابط لا تحتاج إلى سبب وأن بعض اللحظات يجب أن تُعاش لأنها تحمل في طياتها معنى كل الحياة وكل الحب وكل الانجذاب وكل ما يجعلنا بشرًا بكل ما فينا من دهشة وعاطفة وغموض وجمال
— في كُل نظرة، في كُل لمسة، في كُل صمتٍ بين قلبين، ينبضُ شيءٍ لايُرى ولا يُفسَّر، شيء يجعلنُا ننجذبُ بلا سبب، نحبُ بلا حساب، ونعرف بعضنا كما لو كنا نعرف مُنذ الأزل، شيءِ يجعل اللحظة كُلها تنبض بالحياة والغموض ويظل القلب يعرف ما لا يعرفه العقل، ويهمس لنا بأن الحب ليس مجرد شعور، بل هو رحلة كاملة نعيشها بلا تفسير، رحلة تجعل كل لحظة، وكل ابتسامة، وكل لمسة، نورًا يملأ الروح ويعيد ترتيب العالم من حولنا، حيث يغدو كل شيء أجمل حين يكون الآخر حاضرًا
ذات ليلة كنت فيها وحيدة بين أنفاس المدينة وضوء القمر الخافت، شعرت بأن كل شيء حولي يتحدث بصمت، أن الأرض تتنفس والسماء تهمس بأسرارها، أن النجوم تراقبني وتهمس لي بما لا يقوله أحد، حينها أدركت أن الانجذاب ليس مجرد شعور بل تيار خفي يمر بين القلوب، أن الإعجاب يمكن أن يكون لمحة عابرة تحمل كل دفء العالم، أن الحب يبدأ من الداخل قبل أن يراه الآخر، شعرت بروحي تتسع لتحتضن كل تفاصيل الحياة والناس وكل ما يمر بنا من لحظات صغيرة لكنها صافية، شعرت بأن قلبي يعرف أكثر مما يعرف عقلي، وأن كل إحساس بداخلي هو رسالة للحياة، لكل شخص يعبر طرقنا، لكل لمحة جمال، لكل ابتسامة صامتة، لكل لمسة من الضوء أو الظل، كل شعور بداخلي أصبح رحلة داخلية لأكتشف نفسي، لأفهم الآخر، لأتعلم كيف أحب بصدق، كيف أستمع، كيف أعيش اللحظة بلا انتظار، بلا حكم، بلا تفسير، فقط شعور صافي ينبض في داخلي، يعلمني أن الحياة أعذب مما تتصور، وأن كل اتصال حقيقي، كل شعور حقيقي، كل إعجاب وانجذاب، هو جزء من هذه اللوحة الشاملة للعاطفة والوعي والوجود، وأن كل لحظة من هذه الليلة كانت دعوة لي لأعيش العالم بعيني وروحي وقلب مفتوح، لأشعر بكل تفاصيله، لأقدر الناس من حولي، لأعرف أن الانجذاب والإعجاب والحب ليسا أحداثًا عابرة بل تجارب خالدة تصنع أعذب الفصول في حياتنا، وأن كل شعور بداخلي، مهما كان صغيرًا أو عابرًا، هو جزء من الرحلة الكبرى للحياة، الرحلة التي تعلمنا فيها أن نكون نحن، صادقين، حاضرين، عاشقين للحياة وللآخرين وللذات، في كل لحظة وكل نفس وكل نجمة وكل همسة من الليل، وفي ذلك كله أدركت أن القلب يعرف أسرارًا لا يعرفها العقل، وأن العذوبة تكمن في القدرة على الشعور بعمق والعيش بكل تفاصيل اللحظة

✦ المراجع
• Wedekind C., Seebeck T., Bettens F., Paepke AJ. MHC-dependent mate preferences in humans. Proc R Soc B. 1995.
• Wyatt TD. The search for human pheromones: the lost decades and the necessity of returning to first principles. Proc R Soc B. 2015.
• Wyart C., et al. Smelling a Single Component of Male Sweat Alters Levels of Cortisol in Women. 2007.
• James A., et al. Microbiological and biochemical origins of human axillary odour. 2004.
• Roberts SC., et al. MHC-correlated odour preferences in humans and the use of oral contraceptives. 2008.
• Acevedo BP, Aron A, Fisher HE, Brown LL. Neural correlates of long-term intense romantic love. 2011.
• Feldman R. Oxytocin and social affiliation in humans. 2012.
• Rhodes G. The evolutionary psychology of facial beauty. Annu Rev Psychol. 2006.
• Winternitz J., Abbate JL. The role of MHC diversity in mate choice, reproductive success, and disease resistance in humans. 2015.


تساؤلات كثيرة خطرت لي بعد قراءتي لهذا المقال
لو أن الأرواح فعلًا تشعر بكل تلك الأحاسيس المتبادلة، فكيف يوجد “حب من طرف واحد” ؟
وإن كان أحد الجسدين قد شعر بانجذابٍ عميق، بينما الآخر لم يبادله الشعور
فهل ما شعر به الأول كان فعلًا انجذابًا حقيقيًا أم مجرّد إعجابٍ متخيّل ؟
أظن أن الناس كثير ما يخلطون بين الانجذاب الحقيقي والإعجاب السطحي.
فالانجذاب الحقيقي برأيي لا يُولد إلا عندما تتلاقى الطاقتان عندما يشعر كلا الطرفين بذات النبضة، حينها فقط تتكوّن كيمياء الجاذبية ويبدأ الحب في التشكل .
أما الإعجاب الذي لا يُبادَل، فهو مجرد صدى مؤقت لرغبة داخلية أو توقٍ للاتصال أكثر منه انجذابًا حقيقيًا. ولهذا لا يدوم
لأنه لم يُغذَّ من الطرف الآخر ولم تكتمل الدائره
في النهاية الحب لا ينشأ من طرفٍ واحد
بل من تفاعلٍ روحي متبادل كأن الأرواح تتعرّف إلى بعضها في لحظةٍ عابرة وتقرّر أن تلتقي.
لكن ما رأيك في الحب من طرف واحد ، كيف يمكن لطرف ان يعيش كل هذه المشاعر و الاحاسيس و الانجذاب في حين ان الشخص الآخر لا يشعر بشيء ؟